نسيت كلمة المرور/اسم المستخدم؟
Apr - 23 - 2026   تحميل الاصدار
اتسم المشهد الاقتصادي في اليمن خلال مارس 2026 بحالة من التحسن النسبي الهش، مدفوعة بجملة من التطورات السياسية والإدارية التي عززت مؤقتاً منسوب التوقعات الإيجابية، وفي مقدمتها إقرار الموازنة العامة للدولة، وإعلان برنامج عمل الحكومة، وعودة الحكومة إلى ممارسة حضور أكثر انتظاماً من داخل البلاد، بالتوازي مع تحركات لإعادة ضبط المشهد الأمني والعسكري في العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً بإشراف سعودي مباشر. ومع ذلك، فإن هذا التحسن ظل محكوماً بجملة من القيود البنيوية التي تحدّ من قدرته على التحول إلى مسار استقرار اقتصادي مستدام. فالحكومة لا تزال تعمل في بيئة مؤسسية هشة، مثقلة بتراكمات سنوات من الانقسام، وضعف الانضباط المالي، وتآكل القاعدة الإيرادية، وتعدد مراكز النفوذ على الموارد العامة. كما أن أي تحسن سياسي أو أمني، ما لم يترجم سريعاً إلى إصلاحات فعلية في إدارة الموارد العامة والسياسة النقدية والخدمات الأساسية، سيظل عرضة للتآكل والانكفاء. إقرار الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة وفر غطاءً سياسيًا وإداريًا مهمًا لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وإرسال إشارة إيجابية إلى الأسواق والمانحين والشركاء الإقليميين والدوليين بأن الحكومة تحاول استعادة حد أدنى من الفاعلية المؤسسية، لذا فقد شهدت عدن زيارات مكثفة لكافة ممثلي الدول والمنظمات الدولية المانحة. لكن فعالية هذا التطور ستظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التنفيذ العملي، لا سيما في ملفات تحصيل الإيرادات، وضبط الإنفاق، والرقابة على المؤسسات الإيرادية، وتحسين انتظام صرف الرواتب، وتخفيف اختناقات الكهرباء والطاقة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد الاقتصادي في مارس عن الحراك الدبلوماسي الدولي في عدن، والذي يعكس اهتمامًا خارجيًا متزايدًا بإسناد الحكومة الحالية وإعادة بناء مركز ثقل مؤسسي لها داخل البلاد. إلا أن هذا الزخم، على أهميته، لا يمثل في حد ذاته ضمانة للاستقرار، لأن تجارب السنوات الماضية – الدعم الدولي أثناء الحوار الوطني - أظهرت أن الدعم الخارجي يفقد أثره سريعًا حين لا يقترن بإصلاحات داخلية حقيقية، أو حين يُستهلك في إدارة التوازنات السياسية قصيرة الأجل بدلًا من بناء مؤسسات قادرة على فرض الانضباط المالي والإداري. وعلى المستوى المالي، ما تزال الحكومة تواجه اختلالًا حادًا بين الموارد والالتزامات، إذ تشير التقديرات الواردة في النشرة إلى أن الإيرادات العامة لا تغطي سوى نحو ثلث النفقات، وهو ما يعكس عجزًا هيكليًا عميقا في المالية العامة. ولا يقتصر هذا العجز على محدودية الإيرادات فحسب، بل يتصل أيضًا بضعف كفاءة التحصيل، وتشتت الأوعية الإيرادية، واستمرار التسرب المالي، وتعدد مسارات الجبايات خارج الأطر المؤسسية، فضلًا عن الأعباء المرتفعة للإنفاق الجاري، وفي مقدمته بند الرواتب والطاقة والخدمات الأساسية. أما على المستوى النقدي، فقد برزت خلال مارس أزمة السيولة بالعملة المحلية بوصفها أحد أخطر المؤشرات على عمق الاختلال في الإدارة النقدية والمالية. فشح السيولة في الأسواق والمصارف لا يعني فقط نقصًا ماديًا في النقد المتداول، بل يعكس خللًا أوسع في إدارة الكتلة النقدية، وضعفًا في التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وتراجعًا مستمرًا في ثقة الجمهور بالجهاز المصرفي. وقد أدى ذلك إلى اتساع الاعتماد على النقد خارج القطاع المصرفي، وإلى لجوء بعض المتعاملين إلى الريال السعودي كوسيط تداول، بما يشير إلى مظاهر إحلال نقدي غير رسمي في بعض الأسواق المحلية. وتزداد خطورة هذه الأزمة في ظل بيئة يتداخل فيها العامل المؤسسي مع السلوك المضاربي. إذ وفرت فترات النشاط الاقتصادي المصاحبة لشهر رمضان وإجازة العيد هامشًا أكبر للمضاربين لاستغلال اضطراب السوق، ودفع المواطنين إلى بيع العملة المحلية بأقل من السعر الذي حاول البنك المركزي تثبيته. ويكشف ذلك محدودية فاعلية أدوات البنك المركزي في ظل ضيق هوامش المناورة النقدية، وغياب الثقة الكافية، واستمرار هيمنة العوامل غير الرسمية على جزء مهم من حركة السوق. وإلى جانب هذه التحديات الداخلية، ظل الاقتصاد اليمني خلال مارس عرضة لتأثيرات خارجية ضاغطة، خصوصًا ما يتعلق بالتوترات الإقليمية وانعكاساتها على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع المستوردة، في اقتصاد يعتمد على الخارج في أكثر من 90% من احتياجاته السلعية. وقد انعكس ذلك على توقعات الأسعار، وزاد من حساسية السوق لأي اضطرابات في خطوط الإمداد أو رسوم إضافية مفروضة على الواردات، بما يضاعف من الأعباء على القطاع الخاص والمستهلكين في آن واحد. وفيما يتصل ببيئة الأعمال، أظهرت تطورات مارس استمرار التباين بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الشراكة مع القطاع الخاص، وبين الواقع العملي الذي ما يزال يرزح تحت ضغوط الجبايات غير القانونية، وضعف اليقين التنظيمي، واختلالات السوق، وارتفاع كلفة التشغيل والنقل والاستيراد. صحيح أن الحكومة أبدت خلال الشهر إشارات إيجابية تجاه القطاع الخاص، سواء عبر الحديث عن تحسين بيئة الاستثمار أو إعداد سياسة لتنمية الصادرات، إلا أن فعالية هذه التوجهات ستظل رهينة بقدرة الدولة على تقليص الكلفة غير الرسمية للأعمال، وضمان استقرار البيئة التنظيمية والأمنية، وتوحيد مسارات الإيرادات والرسوم، وحماية رجال الأعمال من الانتهاكات والمخاطر الأمنية. وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي، لا يبدو المشهد الاقتصادي أفضل حالًا، وإن اختلفت بعض مظاهره. فهناك أيضًا أزمة سيولة مزمنة، وانكماش اقتصادي ممتد، وتشوهات بنيوية في الأسواق، وارتفاع مستمر في الأسعار قياسًا بقدرة السكان الشرائية. ورغم استمرار تدفق نسبة معتبرة من تحويلات المغتربين إلى تلك المناطق، فإنها لم تكن كافية لتعويض آثار الركود، وتآكل الدخول، وتراجع الأنشطة التجارية، وانخفاض قدرة القطاع الخاص على الاستمرار في تقديم مبادرات اجتماعية أو موسمية كما كان في السابق. وعليه، يمكن القول إن المشهد الاقتصادي خلال مارس 2026 أظهر فرصة محدودة لتحسين الاتجاه العام، لكنه لم يقدّم بعد مؤشرات كافية على تحول هيكلي مستدام. فالتفاؤل القائم يستند أساسًا إلى متغيرات سياسية وإدارية داعمة، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي مثقل بعجز مالي مزمن، واختلالات نقدية عميقة، وضعف مؤسسي، وتدهور إنساني متواصل. ومن ثم، فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون في كثافة النشاط السياسي أو الدبلوماسي، بل في قدرة الحكومة على ترجمة هذا الزخم إلى نتائج ملموسة في الإيرادات، والسيولة، وسعر الصرف، والخدمات، وثقة السوق.
اتسم المشهد الاقتصادي في اليمن خلال مارس 2026 بحالة من التحسن النسبي الهش، مدفوعة بجملة من التطورات السياسية والإدارية التي عززت مؤقتاً منسوب التوقعات الإيجابية، وفي مقدمتها إقرار الموازنة العامة للدولة، وإعلان برنامج عمل الحكومة، وعودة الحكومة إلى ممارسة حضور أكثر انتظاماً من داخل البلاد، بالتوازي مع تحركات لإعادة ضبط المشهد الأمني والعسكري في العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً بإشراف سعودي مباشر.
ومع ذلك، فإن هذا التحسن ظل محكوماً بجملة من القيود البنيوية التي تحدّ من قدرته على التحول إلى مسار استقرار اقتصادي مستدام. فالحكومة لا تزال تعمل في بيئة مؤسسية هشة، مثقلة بتراكمات سنوات من الانقسام، وضعف الانضباط المالي، وتآكل القاعدة الإيرادية، وتعدد مراكز النفوذ على الموارد العامة. كما أن أي تحسن سياسي أو أمني، ما لم يترجم سريعاً إلى إصلاحات فعلية في إدارة الموارد العامة والسياسة النقدية والخدمات الأساسية، سيظل عرضة للتآكل والانكفاء.
إقرار الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة وفر غطاءً سياسيًا وإداريًا مهمًا لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وإرسال إشارة إيجابية إلى الأسواق والمانحين والشركاء الإقليميين والدوليين بأن الحكومة تحاول استعادة حد أدنى من الفاعلية المؤسسية، لذا فقد شهدت عدن زيارات مكثفة لكافة ممثلي الدول والمنظمات الدولية المانحة. لكن فعالية هذا التطور ستظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التنفيذ العملي، لا سيما في ملفات تحصيل الإيرادات، وضبط الإنفاق، والرقابة على المؤسسات الإيرادية، وتحسين انتظام صرف الرواتب، وتخفيف اختناقات الكهرباء والطاقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد الاقتصادي في مارس عن الحراك الدبلوماسي الدولي في عدن، والذي يعكس اهتمامًا خارجيًا متزايدًا بإسناد الحكومة الحالية وإعادة بناء مركز ثقل مؤسسي لها داخل البلاد. إلا أن هذا الزخم، على أهميته، لا يمثل في حد ذاته ضمانة للاستقرار، لأن تجارب السنوات الماضية – الدعم الدولي أثناء الحوار الوطني - أظهرت أن الدعم الخارجي يفقد أثره سريعًا حين لا يقترن بإصلاحات داخلية حقيقية، أو حين يُستهلك في إدارة التوازنات السياسية قصيرة الأجل بدلًا من بناء مؤسسات قادرة على فرض الانضباط المالي والإداري.
وعلى المستوى المالي، ما تزال الحكومة تواجه اختلالًا حادًا بين الموارد والالتزامات، إذ تشير التقديرات الواردة في النشرة إلى أن الإيرادات العامة لا تغطي سوى نحو ثلث النفقات، وهو ما يعكس عجزًا هيكليًا عميقا في المالية العامة. ولا يقتصر هذا العجز على محدودية الإيرادات فحسب، بل يتصل أيضًا بضعف كفاءة التحصيل، وتشتت الأوعية الإيرادية، واستمرار التسرب المالي، وتعدد مسارات الجبايات خارج الأطر المؤسسية، فضلًا عن الأعباء المرتفعة للإنفاق الجاري، وفي مقدمته بند الرواتب والطاقة والخدمات الأساسية.
أما على المستوى النقدي، فقد برزت خلال مارس أزمة السيولة بالعملة المحلية بوصفها أحد أخطر المؤشرات على عمق الاختلال في الإدارة النقدية والمالية. فشح السيولة في الأسواق والمصارف لا يعني فقط نقصًا ماديًا في النقد المتداول، بل يعكس خللًا أوسع في إدارة الكتلة النقدية، وضعفًا في التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وتراجعًا مستمرًا في ثقة الجمهور بالجهاز المصرفي. وقد أدى ذلك إلى اتساع الاعتماد على النقد خارج القطاع المصرفي، وإلى لجوء بعض المتعاملين إلى الريال السعودي كوسيط تداول، بما يشير إلى مظاهر إحلال نقدي غير رسمي في بعض الأسواق المحلية.
وتزداد خطورة هذه الأزمة في ظل بيئة يتداخل فيها العامل المؤسسي مع السلوك المضاربي. إذ وفرت فترات النشاط الاقتصادي المصاحبة لشهر رمضان وإجازة العيد هامشًا أكبر للمضاربين لاستغلال اضطراب السوق، ودفع المواطنين إلى بيع العملة المحلية بأقل من السعر الذي حاول البنك المركزي تثبيته. ويكشف ذلك محدودية فاعلية أدوات البنك المركزي في ظل ضيق هوامش المناورة النقدية، وغياب الثقة الكافية، واستمرار هيمنة العوامل غير الرسمية على جزء مهم من حركة السوق.
وإلى جانب هذه التحديات الداخلية، ظل الاقتصاد اليمني خلال مارس عرضة لتأثيرات خارجية ضاغطة، خصوصًا ما يتعلق بالتوترات الإقليمية وانعكاساتها على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع المستوردة، في اقتصاد يعتمد على الخارج في أكثر من 90% من احتياجاته السلعية. وقد انعكس ذلك على توقعات الأسعار، وزاد من حساسية السوق لأي اضطرابات في خطوط الإمداد أو رسوم إضافية مفروضة على الواردات، بما يضاعف من الأعباء على القطاع الخاص والمستهلكين في آن واحد.
وفيما يتصل ببيئة الأعمال، أظهرت تطورات مارس استمرار التباين بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الشراكة مع القطاع الخاص، وبين الواقع العملي الذي ما يزال يرزح تحت ضغوط الجبايات غير القانونية، وضعف اليقين التنظيمي، واختلالات السوق، وارتفاع كلفة التشغيل والنقل والاستيراد. صحيح أن الحكومة أبدت خلال الشهر إشارات إيجابية تجاه القطاع الخاص، سواء عبر الحديث عن تحسين بيئة الاستثمار أو إعداد سياسة لتنمية الصادرات، إلا أن فعالية هذه التوجهات ستظل رهينة بقدرة الدولة على تقليص الكلفة غير الرسمية للأعمال، وضمان استقرار البيئة التنظيمية والأمنية، وتوحيد مسارات الإيرادات والرسوم، وحماية رجال الأعمال من الانتهاكات والمخاطر الأمنية.
وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي، لا يبدو المشهد الاقتصادي أفضل حالًا، وإن اختلفت بعض مظاهره. فهناك أيضًا أزمة سيولة مزمنة، وانكماش اقتصادي ممتد، وتشوهات بنيوية في الأسواق، وارتفاع مستمر في الأسعار قياسًا بقدرة السكان الشرائية. ورغم استمرار تدفق نسبة معتبرة من تحويلات المغتربين إلى تلك المناطق، فإنها لم تكن كافية لتعويض آثار الركود، وتآكل الدخول، وتراجع الأنشطة التجارية، وانخفاض قدرة القطاع الخاص على الاستمرار في تقديم مبادرات اجتماعية أو موسمية كما كان في السابق.
وعليه، يمكن القول إن المشهد الاقتصادي خلال مارس 2026 أظهر فرصة محدودة لتحسين الاتجاه العام، لكنه لم يقدّم بعد مؤشرات كافية على تحول هيكلي مستدام. فالتفاؤل القائم يستند أساسًا إلى متغيرات سياسية وإدارية داعمة، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي مثقل بعجز مالي مزمن، واختلالات نقدية عميقة، وضعف مؤسسي، وتدهور إنساني متواصل. ومن ثم، فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون في كثافة النشاط السياسي أو الدبلوماسي، بل في قدرة الحكومة على ترجمة هذا الزخم إلى نتائج ملموسة في الإيرادات، والسيولة، وسعر الصرف، والخدمات، وثقة السوق.